arablog.org

تردد أفقي (II): عن الاختناق واللّقاء الأخير

اختناق:
Handiأخفى إخوتي عني كيف عثروا على (هاندي) قطتنا ميتة متخشبة داخل صندوق الصوفا في حديقة المنزل… يبدو أنها دخلت من شق صغير وحين أحاط ظلام الصندوق بها أصابها الهلع ولم تستطع الخروج من حيث دخلت.. لم يخبروني بذلك إلا بعد الكثير من الوقت والإلحاح ..

تخيلتها جالسة في ركن الصندوق المعتم… وهي تموء بصوت يتخافت مع الوقت… بعدها صمتت طويلاً وبدأت تغمض عينيها بثقل وصدرها يعلو ويهبط إلى ان توقفت كرتها الارضية عن الدوران، حينها شعرت أن شيئاً قد يموت بداخلي بصمت دون أن أشعر أو يشعر من حولي ولن أعرفه إلا بعد فوات الأوان…

لقاء أخير:

بعد أسابيع كنت أسير بين ركام التفجير الذي حدث في الساحة القريبة من منزلي.. لطالما اعتدت الاقتراب من الأشياء الخطرة أو المحظورة كمماس الدائرة .. ألامسها دون أن أخرقها فأصير شفافة غير مرئية وأمارس شغفي بالمراقبة بعين /صحفي/ …

كان يمشي هناك، رأيته غير مبتسم على غير عادته /لحظتها استوعبت أيّ مأساة حولي/ نظر إلي مباشرة ثم أدار وجهه وأكمل الاستطلاع… هناك أشخاص تراهم أينما ذهبت، قد تجمعك بهم أماكن ذات سمات محددة فتصبح قادراً على تخمين المرات القادمة، تعتادهم عيناك ضمن خلفية الأماكن وكأن المصمم يستخدمهم دائماً كديكور، وقد تفاجأ دون أن تفاجأ /مع ابتسامة للقدر/ بأنهم أصدقاء لأشخاص مقربين منك. لذا تشعر أحياناً أنك على وشك الاقتراب وإلقاء التحية وأن بإمكانك الاستفسار عن حالهم وما الذي يفعلونه هنا، فبعد كل تلك المصادفات /ولا أعتبرها مصادفات أبداً/ أصبحوا مألوفين جداً، حينها تسائل نفسك سراً إن كنت أيضاً مألوفاً لهم أو أنك غير مرئي رغم كل هذا الوقت. وربما، يتيح لك القدر نوافذ أخرى للقائهم بصمت في العالم الافتراضي بقدر ما هم يتيحون للعلن أو لأصدقاء الأصدقاء.أما في مدينتي… فقد يصعقك القدر في لحظة لم تكن لتخمنها بخبر (موت) واحد من أولئك الأشخاص فيكون هذا الموت صفعة لك وللجميع.

عندما قرأت خبر موته شعرت بالاختناق، تذكرت على الفور ذاك المرور الأخير بجانبه بين ركام التفجير، تذكرت وجهه وعبوس ملامحه/عرفت لاحقاً أن هذا الشخص تخلى عن أشياء يتخاطفها الناس واختار البقاء في بلده/ شعرت أن صداقتنا عتيقة وأني صديقته التي لم يودعها كما يليق بالوداع بعد الكثير من اللقاءات الصامتة، وفهمت أن الموت كان يتربص به في تلك اللحظة وربما بي بعده… وأننا كلنا قطع في لوحة ركام على مقياس أوسع وفرق في التوقيت لا أكثر.

  184029085

           …….

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *